الأحد، 8 ديسمبر 2019


الخنساء


الخنساء


  بداية نلمح إلى أن الشعر العربي ذو مكانة بالغة اكتسبها منذ بدايات اللغة العربية مروراً بـ (العصر الجاهلي والعباسي وعصر الانحطاط -عصر النهضة وصولاً إلى العصر الحديث).

 وفي كل عصر من تلك العصور كان للشاعرات العربيات بصمة واضحة وضوح الشمس جعلت من أسمائهن شعلةً خالدة عبر الزمن.

 حيث جادت الشاعرات في مختلف المواضيع الشعرية من (رثاء -غزل- حب- وصف....) ومن أشهر الشاعرات العربيات (الخنساء -صفية بنت ثعلبة- ميسون بنت بحدل- رابعة العدوية- ولادة بنت المستكفي- نازك الملائكة- غادة السمّان) وغيرهنَّ الكثيرات.

 أما اليوم سنكون في ذكرى خالدة للشاعرة (الخنساء)


الخنساء: هي تماضر بنت عمرو بن الحارث من بني سليم من قيس عيلان توفيت عام 645 ميلادي

 عاشت في الجاهلية الفترة الأطول من حياتها ولكنها أدركت الإسلام ودخلت فيه.

 تعدّ من أشهر الشاعرات العربيات على الإطلاق،

كثرت أشعارها في رثاء أخويها صخر ومعاوية اللذين قتلا في الجاهلية.

أَعَينَيَّ جودا وَلا تَجمُدا             أَلا تَبكِيانِ لِصَخرِ النَدى

 أَلا تَبكِيانِ الجَريءَ الجَميلَ           أَلا تَبكِيانِ الفَتى السَيِّدا

إِذا القَومُ مَدّوا بِأَيديهم               إِلى المَجدِ مَدَّ إِلَيهِ يَدا

 فَنالَ الَّذي فَوقَ أَيديهم          مِنَ المَجدِ ثُمَّ مَضى مُصعِدا

 يُكَلِّفُهُ القَومُ ما عالُهُم             وَإِن كانَ أَصغَرَهُم مَولِدا
   
       تَرى المَجدَ يَهوي إِلى بَيتِه          يَرى أَفضَلَ الكَسبِ أَن يُحمَدا 

وَإِن ذُكِرَ المَجدُ أَلفَيتَهُ           تَأَزَّرَ بِالمَجدِ ثُمَّ اِرتَدى



 كيف لا ترثي أخويها وقد كانا سندها الوحيد في هذه الدنيا فترةً طويلةً من الزمان حيث أنها كانت محل رعايتهما ورفضت 

الزواج في بداية شبابها فتكونت لها شخصية قوية مطمئنة ما من شيء يقضَّ مضجعها فكانت عاقلة حازمة لا يجرؤ أحد على 

التهجم عليها أو التحدث عنها بل على العكس تماماً قاموا بمديحها فقد قال عنها النابغة الذبياني (الخنساء أشعر الجن والإنس).


وقد سُئِل جرير مرة: من أشعر الناس؟
 فقال أنا، لولا الخنساء فقيل له: فبمَ فضلتك؟
 فقال بقولها:
 إن الزمان وما يغني به عجب     أبقى لنا ذنباً واستؤصل الراس
 إن الجديدين في طول اختلافهما   لا يفسدان ولكن يفسد الناس 

 وزادت في  رثاءِ أخويها فقالت:
 وإنّ صخراً لوالينا وسيدنا    وإن صخراً إذا نشتو لنحَّار
 وإنّ صخراً لتأتمُّ الهداةُ به     كأنه علم في رأسه نار
مثلَ الرُدَينيِّ لم تنفَذ شبيبَتُهُ   كأنه تحت طي البرد أسوارُ

وقالت تنعي أخاها معاوية:

أَلا لا أَرى في الناسِ مِثلَ معاوية   إِذا طَرَقَت إِحدى اللَيالي بِداهِيَه
أَلا لا أَرى كَالفارِسِ الوَردِ فارِساً    إذا ما عَلَتهُ جُرأَةٌ وَعَلانِيَه
فَأَقسَمتُ لا يَنفَكُّ دَمعي وَعَولَتي     عَلَيكَ بِحُزنٍ ما دَعا اللَهَ داعِيَه


 ويعرف عنها حبها الشديد للإسلام حيث أن شعرها اكتسب طابعاً مفاخراً ومدافعاً عن الدين 


 يروى أنها دخلت على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي تَلبس صداراً من شعر الحيوان يغطي عنقها إلى سرتها، كان 

الجاهليون يلبسونه حداداً على الأموات

 فقالت لها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:

ما هذا يا خنساء أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك

أجابتها الخنساء: والله لم أعلم ولكن لهذا الصدار قصة دعتني إلى لبسه فقالت حدّثيني بهذه القصة

قالت زوّجني أبي لسيّد قومه وكان رجلا ًمبذراً أسرف في ماله حتى أنفذه فأتيت أخي صخراً أستعينه فقسم ماله شطرين وأعطاني 

أحسن الشطرين ولكنّ زوجي عاد إلى إسرافه وتبذيره حتى أذهب المال فقسم صخر ٌماله مرة ثانية وأعطاني أحسنه فقالت له زوجته مغتاظة:


أما ترضى أن تعطيها النصف حتى تعطيها الخيار فأجابها:

 والله لا أمنحها شرارها       وهي التي أرحض عني عارها
 ولو هلكتُ خرقت خمارها    واتخذَت من شعر صدارها


 ومنذ ذلك الوقت آلت الخنساء ألا يفارق الصدار جسدها ما بقيت وفاءً لذكرى أخيها الذي قاسمها ماله مرتين.


الخنساء


صورة الخنساء في الإسلام


فقد اتخذ شعرها منحىً وطابعاً مدافعاً ومفاخراً عن الإسلام فها هي تبرز بقوة في معركة القادسية وفي صحبة أولادها الأربعة وذلك في السنة الرابعة عشر للهجرة.

حيث شاركت الخنساء في معركة القادسية ضمن جمع النسوة يخدمن الجيش ، يطعمن ويسقين ويرعين أمور الجند ويرددن الجرحى والقتلى إلى معسكر المسلمين
إلا أنّ المعركة طالت واشتدت على المسلمين واغتمَّ جميع المسلمين من وهلها ووقعها فقامت الخنساء وجمعت أولادها الأربعة عشية الليلة الثالثة من ليالي المعركة وخطبت فيهم قائلة:
يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين ووالله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما إنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وإنكم تعلمون ما أعدّه الله تعالى للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين
 اعلموا يا أبنائي أن الدار الباقية خير من الدار الفانية والله تعالى يقول:
((يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتّقوا الله لعلكم تفلحون)). 
 وفي اليوم الرابع من المعركة خرج أبناء الخنساء إلى المعركة حاملين نصائح أمهم فتقدم الأول منشداً

يا إخوتي إنّ العجوز الناصحة    قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة
مقالةً ذات بيان واضحة            فباكروا الحرب الضروس الكالحة

وتقدّم وقاتل حتى استشهد

فأنشد ثانيهم قائلاً:

 إن العجوز ذات حزم وجلد    والنظر الأوفق والرأي السديد
 قد أمرتنا بالسداد والرشد   نصيحة منها وبراً بالولد
 فباكروا لحرب حماة في العدد   أما الفوز بارد على الكبد
 أو ميتةً تورثكم عز  الأبد    في جنة  الفردوس والعيش الرغد

ثم شدّ على الأعداء فقاتلهم حتى استشهد

فقال الثالث:

 والله لا نعصي العجوز حرفاً   وقد أمرتنا حدباً وعطفا
 نصحاً وبراً صادقاً ولطفاً    فبادروا الحرب الضروس زحفا
 حتى تلفّوا آل كسرى لفا     أو تكشفوهم عن حماكم كشفاً

ثم قاتل حتى استشهد

فتقدم الرابع قائلاً:

 لست للخنساء ولا للأخرم    ولا لعمرو ذي السناء الأقدم
 إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم    ماضٍ على الهول خضم خضرم
 إما الفوز عاجل ومغنم     أو وفاة في سبيل الأكرم

ثم اخترق صفوف الأعداء ونال شرف الشهادة بعد أن نكل بهم


الخنساء



 وفي ذلك اليوم سمعت الخنساء خبر نصر المسلمين في المعركة إلى جانب خبر استشهاد أولادها الأربعة فما كان منها وهي التي أمضت شبابها ترثي أخويها إلا أن رفعت يديها الى السماء لتقول بقلب صادق ولسان واثق
الحمد لله الذي شرَّفني باستشهادهم وإني لأرجو أن يجمعني بهم في مستقر رحمته

هذا هو الإيمان يا أخواتي يصنع المعجزات
 رحم الله الخنساء ورحم أولادها ونفعنا بذكراهم


0 التعليقات:

إرسال تعليق

الأكثر مشاهدة

أرشيف المدونة